ابن حمدون
394
التذكرة الحمدونية
1354 - وأخبار العرب في الجهد والجوع كثيرة . قال حماد الرواية عن قتادة ، قال زياد لغيلان بن خرشة : أحبّ أن تحدّثني عن العرب وجهدها وضنك عيشها لنحمد اللَّه على النعمة التي أصبحنا بها . قال غيلان : حدثني عمي قال : توالت على العرب سنون حصّت كلّ شيء ، فخرجت على بكر لي في العرب ، فمكثت سبعا لا أذوق شيئا إلا ما ينال بعيري أو من حشرات الأرض ، حتى وقعت على حواء عظيم ، فإذا بيت جحيش عن الحيّ ، فملت إليه فخرجت إليّ امرأة طوالة حسّانة ، فقالت : من ؟ فقلت : طارق ليل يلتمس القرى ، فقالت : لو كان عندنا شيء آثرناك به ، والدالّ على الخير كفاعله ، جس هذه البيوت ثم انظر أعظمها ، فإن يك في شيء منها خير ففيه . ففعلت حتى دفعت إليه ، فرحّب ثم قال : من ؟ قلت : طارق ليل يلتمس القرى ، فقال : يا فلان ! فأجابه ، فقال : هل عندك طعام ؟ قال : لا ، قال : فواللَّه ما وقر في أذني شيء كان أشدّ عليّ منه ، فقال : هل عندك شراب ؟ قال : لا ، ثم تأوّه ثم قال : قد بقّينا في ضرع الفلانية شيئا لطارق إن طرق ، قال : فأت به ، فأتى العطن فابتعثها . فحدّثني عمي أنه شهد فتح أصفهان وتستر ومهرجان قذق وكور الأهواز وفارس ، وجاهد عند السلطان ، وكثر ماله وولده ، قال : فما سمعت شيئا قط كان ألذّ من شخب تلك الناقة في تلك العلبة ، حتى إذا ملأها ففاضت جوانبها وارتفعت عليها شكرة أي رغوة كجمّة الشّيخ ، أقبل بها نحوي ، فعثر بعود أو حجر فسقطت العلبة . فلما رأى ذلك ربّ البيت خرج شاهرا سيفه ، فبعث الإبل ثم نظر إلى أعظمها سناما على ظهرها مثل رأس الصعل ، فكشف عرقوبها ، ثم أوقد نارا واجتبّ سنامها ، ودفع إليّ مدية وقال : يا عبد اللَّه اصطل واجتمل ، فجعلت أهوي بالبضعة إلى النار فإذا بلغت إناها أكلتها ، ثم مسحت ما بيدي من إهالتها على جلدي ، وكان قد قحل جلدي كأنه شنّ ، ثم شربت ماء وخررت مغشيّا عليّ فما استفقت إلى السّحر . وقطع زياد الحديث وقال : لا عليك أن تخبرنا بأكثر من هذا فمن المنزول به ؟ قلت : عامر بن الطفيل .